الروض الهتون (تتمة)


الروض الهتون

في أخبار مكناسة الزيتون

للمؤرخ العلامة المحقق

أبي عبد الله محمد بن احمد بن محمد بن غازي العثماني المكناسي

         وكان أهل الحصن وأهل الحوائر، يجتمعون إلى تلك السوق يوم كل احد. فبينما هم يوم احد قد

اجتمعوا وكملوا بالسوق المذكورة وهي بأرض مرتفعة، إذ اشرفوا على خيل مقبلة إليهم في زي

المرابطين، اللثم والغفائر القرمزية والمهاميز التاشفينية والسيوف المحلاة والعمائم ذوات الذؤابات.

فلما رأى القوم هذا الزي، قالوا تقوية للسلطان: جاءتنا، وسارعوا للقائهم فرحين بهم، وهبطوا عن

آخرهم. فلما خرجوا عن منع الحصن والسوق، حسر الفرسان اللثم ونادوا: أبابا يا المهدي، وكان ذلك

شعارهم، وأحالوا السيوف عليهم ولم ينج واحد منهم فيما ذكر، وكانوا آلافا رحمهم الله، وما زال الناس

لهذا العهد يتحدثون أن المقابر التي عند باب مسجد السوق القديم، هي مقابر شهداء، فلعلهم هم والله

تعالى اعلم. وكان الموحدون حينئذ يسمون الناس المجسمين، ويقاتلونهم قتال كفر، وكان الناس

يسمونهم خوارج. ولم تزل الغارات تشن عليهم، فيقتل الرجال ويسبى النساء والذرية وتستباح الأموال،

والتضييق يتوالى والمكائد تدبر والحيل تدار، حتى ضاق درع الناس بكثرة الوقائع عليهم. ومن الأخبار

التي كانت مشتهرة عند أهل الوطن، انه كان بأحواز تاورا شجرة كبيرة من النشم الأسود المسمى

بالتغصاص بإشمام الصادين زايين، وربما يكتبه المتفاصحون التقصاص بقاف وصادين، فبينما الناس

قد انبسطوا لتدبير أشغالهم ومعايشهم، إذ فاجأتهم الخيل وأحاطت بهم، فلجئوا إلى تلك النشمة، وظنوا

النجاة فيها، فتعلق بها منهم خلق كثير، وضم الموحدون الحطب لتلك الشجرة وأضرموا النيران

حولها، فسقط كل من كان فيها، واحترقوا عن آخرهم، واحترقت النشمة وبقيت منها بقية مدة من

الزمان، وكان عند أهل الأوطان من جملة مواعظ تلك الفتنة. فلما فتحت فاس للموحدين عام أربعين

وخمسمائة، انتقلوا إلى مكناسة، وبينهما ما يقرب من أربعين ميلا، وانزلوا عليها وخندقوا عليها

خنادق، زعموا زعموا انها  سبعة خنادق، ليحصنوا بها محلتهم خوفا من (معرة) أهل البلد، لما لموا

من جراة اهل البلد وشجاعة عاملها يدر بن ولجوط.(وذكر أبو زيد ابن خلدون) في كتاب العبر وديوان

المبتدأ والخبر في أيام العرب والعجم والبربر وغيرهم من ذوي السلطان الأكبر: أن عبد المومن بن

علي لما فتح فاس، ترك بعض عماله محاصرا لمكناسة، وانصرف إلى حضرة مراكش. فحاصروا مدينة

مكناسة سنين وأشهر، قيل أن السنين سبع، وقيل أربع. ولا خلاف في أربع وأشهر، وإنما الخلاف في

الزائد عليها. وكان بعض من يغلوا في مدة الحصار، يقول سبع سنين وسبعة أشهر وسبعة أيام والله

تعالى اعلم. وحين نزل الموحدون مدينة فاس، كان بها من أهل تاورا، أبو محمد عبد الله بن محمد بن

حماد بن زغبوش يقرا وسنه يومئذ نحو خمس وعشرين سنة، فتشوق احد الأيام للإشراف على محلة

الموحدين، فخرج من مجلس القراءة وسط النهار وقد انصرف الناس إلى ديارهم، والأسوار خالية إلا

من حراسها. فطلع السور ليطل منه عليهم، فبينما هو يمشي على السور، حدثته نفسه بالهبوط إليهم،

فارتاد موضعا خاليا خفيا عن الحرس، وربط عمامته في إحدى شرفات السور، وتقلد خريطة كتبه،

وتعلق بالعمامة، وكانت ضعيفة فلما تقلت انقطعت وسقط في الأرض، واعتلت إحدى قدميه، وتسارع

إليه الموحدون ورفعوه في درقة ووضعوه بين يدي عبد المومن بن علي. واكرهم الموحدون وأحسنوا

إليه، وكتب له عبد المومن صكا بتسويغ ماله ومال أبيه، وأقام معهم يظعن لظعنهم ويقيم لإقامتهم

مبرورا لديهم عزيزا عليهم، وكانوا يلحظون من يمت إليهم بسابقة أو هجرة. فلما نزلوا مكناسة ظهر

عبد الله بن زغبوش المذكور بمحلتهم، واتصل ذلك بالوالي يدر بن ولجوط، فقبض على أبيه محمد بن

حماد في سبعة من قرابته أو مع سبعة منهم، وكان محمد هذا فقيها خيرا قرأ بقرطبة وبغيرها وصحب

جلة من أهل زمانه، وثقفهم يدر بن ولجوط في دار، وجعل عليهم حراسا، ولم يمنع عنهم الزوار. واشتد

الحصار وتمادى وهم مثقفون إلى أن أصبحوا مقتولين ذبحا، وفي الدار ثقب نفذ السور، فقيل أنهم

راسلوا عبد الله المذكور في أن يأخذ لهم عهدا أو يتحايلوا في الخروج. وقيل أن جماعة من

الموحدين، أصبحوا في ذلك اليوم قريبا من النقب ينتظرون خروجهم، فقيل حتى يئسوا، وقيل حتى

علموا بقتلهم، وقيل أن ذلك النقب كان من فعل الوالي بعد قتلهم ليقيم بذلك عند الناس حجته في قتلهم،

وذكر بعض الناس أن هذه الرواية اقرب من الأولى، لان والد عبد الله لم يكن راضيا عنه في هجرته

إليهم، وزعم أهل الرواية الأولى أن سبب اتصال عزمهم على الخروج بالوالي، كان أن احدهم كانت

زوجه من قوم كانوا عدوا لهم، فزارته فعرفها بعزيمتهم ثقة منه بها، فاخبرن بذلك أخاها رجاء أن

يخرج معهم ويخلص بنفسه، وحضته على ذلك إشفاقا منها عليه، فثارت عداوته ، وأمكنته الفرصة

فيهم فوشي بهم إلى الوالي يدر بن ولجوط، فنفذ فيهم حكم الله سبحانه،

Advertisements

اترك رد

Please log in using one of these methods to post your comment:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s